منتديات ميراث ابائى

يسوع المسيح الكلمة المتجسّد هو سرّ الله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

يسوع المسيح الكلمة المتجسّد هو سرّ الله

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة ديسمبر 19, 2014 5:35 pm

1- سرّ الكائنات
تعني لفظة سرّ بالمعنى العام ما خفي على الإنسان. وسرّ الأشياء هو حقيقتها العميقة التي تخفى على الأنظار. كل ما في الكون يحمل بُعدَين: بُعداً ظاهراً للعيان، وبُعْداً خفيًّا لا يمكن بلوغه إلاّ بالتأمّل فيه طويلاً لسَبر أغواره الدفينة.
والله، الذي ليس هو الكائن الأعظم وحسب، بل الكيان بالذات، هو السرّ الأكبر، إذ ليس فيه شيء ظاهر، إنّما هو نفسه عمق الأشياء وعمق الكون بأسره.
في هذا المعنى نقرأ في العهد الجديد قول يسوع لتلاميذه: "أنتم أُعطيتم أن تعرفوا سرّ ملكوت الله. أمّا الذين من الخارج فيسمعون كل شيء بالأمثال" (مر 4: 11). إنّ سرّ ملكوت الله هو حقيقته العميقة المخفيّة على الناس الذين من الخارج. أمّا التلاميذ الذين آمنوا بالمسيح فقد كشف لهم حقيقة ملكوت الله الخفيّة، وأعلن أمامهم سرّ الله.
وبسبب ارتباط لفظة سرّ بعمق الأشياء، استعملت الأديان القديمة تلك اللفظة للإشارة إلى الطقوس والممارسات التي توصل الإنسان إلى الاتحاد بعمق الكائنات. وفي هذا المعنى نفسه يرى أفلاطون في السرّ "العقيدة التي نبلغ بالإنسان إلى التأمّل في كيان الله".
2- في يسوع المسيح اعتلن سرّ الله
لقد آمن الرسل والكنيسة الأولى أنّ سرّ الله، أي حقيقته المخفيّة التي لا يمكن أيّ عقل بشري إدراكها، قد اعتلن لنا في شخص يسوع المسيح. وهذا ما يؤكّده العهد الجديد في تعابير مختلفة. فيسوع المسيح هو سرّ الله، وصورة الله، وكلمة الله، وقد عمل هو نفسه عمل الله.
أ) يسوع المسيح هو سرّ الله
نقرأ في مقاطع متعددة من رسائل بولس أنّ يسوع المسيح هو نفسه "سرّ الله"، فيقول في رسالته إلى الكولسيين إنّ الله قد انتدبه ليبشّر "بكلمة الله كاملة، بالسرّ الذي كان مكتوماً منذ الدهور والأجيال، وأُعلن الآن لقدّيسيه الذين شاء أن يعلمهم ما هو، في الأمم، غنى مجد هذا السرّ، الذي هو المسيح فيكم، رجاء المجد" (كو 1: 25- 27). ثمّ يضيف: "أريد أن تعرفوا أيّ جهاد عنيف أُعاني لأجلكم، ولأجل الذين في اللاذقية، ولأجل كثيرين آخرين لم يروا قطّ وجهي في الجسد، لتتشدّد قلوبهم، حتى إذا ما التأموا في المحبة، يبلغون إلى الفهم الكامل بكلّ غناه، والى معرفة سرّ الله، أي المسيح، المكنونة فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (كو 2: 1- 3).
إنّ السرّ الذي كان مكتوماً منذ الدهور، وأُعلن الآن للقدّيسين هو المسيح نفسه. فمن يعرف المسيح يعرف سرّ الله، لأنّ جميع كنوز الحكمة والعلم مكنونة في المسيح.
كذلك يدعو بولس المسيح "سرّ التقوى": "إنّه لعظيم، ولا مراء، سرّ التقوى، الذي تجلّى في الجسد، وشهد له الروح، وشاهدته الملائكة، وبُشِّر به في الأمم، وآمن به العالم، وارتفع في مجد" (1 تي 3: 16)
وفي رسالته إلى الأفسسيّين يفسّر سرّ المسيح: "إنّكم قد سمعتم، ولا شك، كيف قسّم لي الله النعمة التي أُعطيتُها لأجلكم. فإني بوحي أُوتيتُ معرفة سرّه، على حدّ ما كتبت قبلاً بالإيجاز، فيمكنكم، إذا ما قرأتموني، أن تدركوا ما هو فهمي لسرّ المسيح. فهذا السرّ لم يُعلَن لبني البشر، في الأجيال السابقة، كما أعلنه الآن الروح لرسله القدّيسين وأنبيائه: أي إنّ الأمم هم من أهل الميراث الواحد، وأعضاء في الجسد الواحد، وشركاء في الموعد الواحد، في المسيح يسوع بالإنجيل.." ثمّ يضيف: "أجل، لي، أصغر أصاغر القدّيسين جميعاً، قد أُعطيت هذه النعمة: أن أُبشّرَ في الأمم بغنى المسيح الذي لا يُستقصى، وأوضحَ للجميع ما تدبير هذا السرّ، المكتومِ منذ الدهور في الله الخالق كل شيء، لكي تتجلّى الآن للرئاسات والسلاطين في السماوات، بواسطة الكنيسة، حكمةُ الله بوجوهها العديدة" (أف 3: 2- 10).
من هذا النص نستنتج أنّ القول بأنّ المسيح هو سرّ الله يعني أنّه في المسيح تجلّى سرّ الله وقصد الله وحكمة الله، وفي المسيح يتحقّق هذا السرّ وهذا القصد وهذه الحكمة: أي "إنّ الأمم هم من أهل الميراث الواحد". وهذا ما يؤكّده بولس في الفصل الأوّل من الرسالة عينها: إنّ الله قد أعلن لنا "سرّ مشيئته الذي سبق فقصده في نفسه، ليحقّقه عند تمام الأزمنة: أي أن يجمع تحت رأس واحد في المسيح كلّ شيء، ما في السماوات وما على الأرض" (أف 1: 9- 10).
إنّ سرّ الله قد كشفه لنا المسيح نفسه. والرسل قد ائتُمنوا ليوضحوا هذا السرّ ويحقّقوه في الكنيسة (راجع أيضاً رو 16: 25- 27).
ب) يسوع المسيح هو "صورة الله"
هناك تعبير آخر استعمله العهد الجديد للدلالة على أنّ سرّ الله قد اعتلن للعالم في يسوع المسيح، وهو تعبير صورة الله. تقول الرسالة إلى العبرانيين
"إنّ الله، بعد إذ كلّم الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدة وبشتّى الطرُق، كلَّمنا نحن، في هذه الأيام الأخيرة، بالابن الذي جعله وارثاً لكل شيء، وبه أيضاً أنشأ العالم، الذي هو ضياء مجده وصورة جوهره" (عب 1: 1- 3). هناك فرق جذريّ بين كلام الله للبشر في العهد القديم بواسطة الأنبياء، وكلامه لنا في العهد الجديد بالابن الذي هو ضياء مجد الله وصورة جوهره.
مجد الله هو كيان الله. وهذا الكيان لا يمكن أيّ إنسان أن يراه، لكنّه في شخص يسوع المسيح قد تجلّى لنا ضياء مجد الله أي ضياء كيانه وصورة جوهره.
ففي يسوع المسيح لم يعد سرّ الله حقيقة مخفيّة على الإنسان، بل أضحى اعتلانَ الحقيقة المخفيّة، أي الصورة الظاهرة التي من خلالها نستطيع البلوغ إلى الحقيقة غير الظاهرة.
ج) يسوع المسيح هو كلمة الله
لقد عبّر الكتاب المقدّس أيضاً عن "سرّ الله" بلفظة لُوْغُسْ اليونانية التي تعني "العقل والفكر والكلمة". فالله كلَّمنا قديماً بالأنبياء، ثم كلَّمنا الكلام الأخير والنهائيّ في ابنه يسوع المسيح. هذا ما تعنيه العبارة التي ترد مراراً في العهد الجديد أنّ يسوع هو كلمة الله.
يقول القدّيس مكسيموس المعترف إنّ سرّ الله يعتلن للبشر في ثلاث درجات
فهو يعتلن أوّلاً في الكون والمخلوقات. وهذا ما أدركته الديانات القديمة كلّها التي استطاعت أن تكتشف بعضاً من سرّ الله من خلال مخلوقاته:
"إنّ الله، محبةً بنا، يختبئ بشكل سرّيّ في الجوهر الروحي الذي ينعم به كل كائن مخلوق. في الكائنات المتعدّدة يختبئ مَن هو واحد لا يتغيّر منذ الأزل، في الأمور المركّبة مَن هو بسيط وغير متجزّئ، في الكائنات التي بدأت يوماً مَن لا بدء له، في الكائنات المنظورة مَن هو غير منظور، وفي الكائنات المحسوسة مَن هو غير محسوس".
ثمّ يعتلن أيضاً سرّ الله في الوحي الكتابيّ في العهد القديم:
"ومحبة بنا نحن البطيئي الإدراك، ارتضى أن يعبّر عن ذاته في أحرف الكتاب المقدّس وألفاظه ونغماته، ليشدّنا إليه ويوحّدنا بالروح".
وأخيراً يعتلن لنا الله في تجسّد الكلمة: "لقد ارتضى، بمجيئه في الجسد، أن يأخذ جسداً ليعلّمنا في لغتنا البشريّة وفي الأمثال، تلك المعرفة التي تفوق كل لغة، معرفة الأمور المقدّسة والخفيّة".
د) بيسوع المسيح اعتلن لنا عمل الله
إنّ يسوع المسيح قد عمل في حياته أعمال الله. والإنجيل المقدّس هو سلسلة مترابطة من شهادات أُناس اختبروا في حياتهم عمل الله من خلال شخص يسوع المسيح. فيسوع قد شفى المرضى وأقام الموتى وبشَّرَ المساكين، حسب قوله لموفَدي يوحنا المعمدان: "إنطلقوا وأعلموا يوحنا بما تسمعون وترون: العمي يبصرون والعُرج يمشون، والبُرص يطهّرون، والصمّ يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشّرون، وطوبى لمن لا يشكّ فيَّ" (متى 11: 4- 6). كما أنّه غفر الخطايا: "ومَن يقدر أن يغفر الخطايا إلاّ الله وحده؟" (مر 2: 7)؛ "فإنّ ابن البشر له، على الأرض، سلطان مغفرة الخطايا" (مر 2: 10). ونقض شريعة السبت الإلهيّة: "فإنّ ابن البشر هو ربّ السبت أيضاً" (مر 2: 28).
هذا ما أكّده أيضاً يوحنا الإنجيليّ في عرضه نقاش يسوع مع الفرّيسيّين: "أجاب يسوع وقال لهم: الحق الحق أقول لكم، إنّ الابن لا يستطيع من نفسه أن يعمل شيئاً، إلاّ ما يرى الآب يعمله. فما يفعله الآب، يفعله الابن كذلك.. إنّ الأعمال التي خوّلني الآب أن أُتمِّمها- هذه الأعمال عينها التي أنا أعملها- هي تشهد لي بأنّ الآب قد أرسلني" (يو 5: 19، 36). "صدّقوا هذه الأعمال، لكي تعلموا وتعترفوا أنّ الآب فيّ وأنّي أنا في الآب" (10: 38)، "أنا والآب واحد" (10: 30)، "مَن رآني فقد رأى الآب" (14: 9).
3- تعريف السرّ في اللاهوت المسيحي
يقول اللاهوتي المعاصر إدوار سْخِلّيِبكْس: "إنّ يسوع المسيح هو تجسّد الله. ومحبته هي التجسيد البشري لمحبة الله الخلاصيّة، ومجيء الله إلينا بصورة منظورة. ولأنّ هذه الأعمال الإنسانيّة هي في الوقت عينه أعمال الله، أي أعمال الله في صورة تجلٍّ بشري، فهي تملك في جوهرها قدرة إلهيّة للخلاص. إنّها أعمال خلاصيّة، أي إنّها تمنح الخلاص. وبما أنّ هذه القدرة الإلهيّة قد ظهرت لنا في صورة أرضيّة منظورة، فأعمال المسيح الخلاصيّة هي أعمال من نوع "السرّ". والسرّ هنا يعني عطيّة خلاصيّة يمنحنا إيّاها الله بشكل خارجي يمكن إدراكه وتيقُّنه، وبه تصير تلك العطيّة واقعاً وحقيقة. السرّ هو عطيّة خلاص تأتي لينا بشكل منظور في قلب التاريخ".
إنطلاقاً من تجلّي الله في أعمال المسيح البشريّة المنظورة، يمكننا تحديد السرّ في اللاهوت المسيحي بقولنا إنّه عمل مقدّس تُمنَح فيه للمؤمن، من خلال علامة منظورة، نعمة الله غير المنظورة. فغير المنظور وغير المدرَك يستطيع الإنسان المؤمن الوصول إليه والاتحاد به من خلال علامة منظورة.
وهنا نحيل القارئ إلى ما قلناه في الجزء الثاني من مجموعتنا اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر عن مفهوم تجلّي الكائن في الفلسفة المعاصرة وتجلّي الله في موضوع النعمة. ففي تجلّي الكائن وتجلّي الله دوماً عنصران: عنصر الحضور وعنصر الغياب. أي إنّ الكائن يظهر لنا هو نفسه، ولكن من خلال تجلّيه في الكائنات. فهناك إذاً مسافة لا يمكن إزالتها بين الكائن في ذاته وظهوره في الكائنات. وفي هذه المسافة عينها يندرج فعل الإيمان ووجود الأسرار. لأنّه لو ظهر الكائن، أي الله، في كمال كيانه، لكنّا شاهدناه منذ الآن وجهاً لوجه، ولما احتجنا إلى الإيمان ولا إلى الأسرار. لكنّ هذه المشاهدة وجهاً لوجه لن تتحقّق لنا إلاّ في السماء. وهذا ما يعنيه بولس الرسول: "الآن ننظر في مرآة، في إبهام، أمّا حينئذٍ فوجهاً لوجه. الآن أعلم عِلماً ناقصاً، أمّا حينئذٍ فسأَعلم كما عُلمت. الآن ويثبت الإيمان والرجاء والمحبة، هذه الثلاثة. لكنّ أعظمهنّ المحبة" (1 كو 13: 12- 13).
نشير أخيراً إلى أنّ عمل الأسرار يهدف إلى خلاص الإنسان، أي إلى إشراكه في حياة الله. فليس القصد إذاً من الأسرار إرواء فضوليّة الإنسان وإنماء معرفته العقليّة، بل إدخاله عمق كيان الله. وهذا يعبّر عنه سْخِيْلّيبكِسْ في النصّ الذي أتينا على ذكره أعلاه، بقوله: "إنّ السرّ هو عطيّة خلاص تأتي إلينا بشكل منظور في قلب التاريخ".
فالسرّ هو إذاً عمل خارجي منظور ومحسوس، فيه يعتلن لخلاص الإنسان عمل الله غيرِ المنظور وغيرِ المحسوس.

________ التوقيع ________
تابع كتاباتى ايضا على :

* مدونة ايماننا الاقدس
* موقع دليل الايمان
* فيسبوك
avatar
Admin
الادارة العامة
الادارة العامة

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 07/02/2014

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://miras.akbarmontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى