منتديات ميراث ابائى

تأسيس الأسرار وعددها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تأسيس الأسرار وعددها

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة ديسمبر 19, 2014 5:49 pm

إنطلاقاً من كون الكنيسة تكمّل في ذاتها وفي أسرارها حضور المسيح، يمكننا الكلام على نشأة الأسرار وعددها. كل الكنائس المسيحية تعتقد أنّ نشأة الأسرار يجب أن تعود إلى إرادة المسيح نفسه. ولكنّ السؤال الذي طرحه اللاهوتيّون عبر القرون هو التالي: كيف أنشأ المسيح الأسرار؟ وما هي الأسرار التي أنشأها المسيح؟
أ) اللاهوت الكاثوليكي
في القرون الوسطى، كان اللاهوتيّون الكاثوليكيّون يميّزون، في تأسيس الأسرار عن يد المسيح، بين التأسيس المباشر أو الصريح، والتأسيس غير المباشر.
فهناك أسرار أنشأها المسيح مباشرة، أو بشكل مريح، بحيث يمكن الاستناد إلى أقوال المسيح نفسه لتحديد عناصرها. فهكذا أنشأ المعموديّة بقوله لتلاميذه بعد قيامته: "إذهبوا، وتلمذوا جميع الأمم، وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (متى 28: 19)؛ وأيضاً أنشأ الإفخارستيا في أثناء العشاء الفصحي الأخير مع تلاميذه: "هذا هو جسدي الذي يبذل لأجلكم.. إصنعوا هذا لذكري" (لو 22: 19)، وكذلك أنشا الكهنوت بقوله لتلاميذه من بعد قيامته: "كما أنّ الآب أرسلني، كذلك أنا أُرسلكم. ولمّا قال هذا، نفخ فيهم وقال لهم: خذوا الروح القدس. فمَن غفرتم خطاياهم غُفرت لهم، ومَن أمسكتم خطاياهم أُمسِكَت" (يو 20: 21- 23).
وهناك أسرار أنشأها المسيح بشكل غير مباشر في ما قام به من أعمال، تاركاً للرّسل تحديد عناصر هذه الأسرار. فسرّ الميرون، أو التثبيت، قد أنشأه المسيح على مرحلتين: في حياته، عندما وعد تلاميذه بأن يرسل إليهم الروح القدس (يو 7: 16)، وبعد قيامته عندما أرسله إليهم بالفعل يوم العنصرة (أع 2: 1- 18). وسرّ مسحة المرضى أنشأه بعمله عندما كان يشفي المرضى ويرسل تلاميذه ليمسحوا المرضى بالزيت: "فمضوا، وكرزوا بالتوبة، وأخرجوا شياطين كثيرين، ومسحوا بالزيت مرضى كثيرين وشفوهم" (مر 6: 12- 13). ولنا شاهد على ممارسة هذا السرّ في الكنيسة الأولى ما يقوله القدّيس يعقوب في رسالته الجامعة (5: 13- 15). أمّا الزواج والتوبة اللذان وُجِدا قبل يسوع كحالة في الحياة ودعوة إلى الارتداد إلى الله، فقد ثبّتهما المسيح عندما دعا قداسة الزواج (مر 10: 1- 12)، وغفر هو نفسه الخطايا (مر 2: 5- 12؛ لو 7: 47- 50) ثمّ منح تلاميذه سلطان مغفرة الخطايا من بعده (يو 20: 21- 23).
استناداً إلى هذا كلّه، حدّد اللاهوت الكاثوليكي الغربيّ عدد الأسرار بسبعة. وقد تمَّ هذا التحديد في القرن الثاني عشر مع اللاهوتي بيير لومبار الذي توفي سنة 1160. وأُعلنت اللائحة الحالية للأسرار إعلانا رسميًّا سنة 1274 في مجمع ليون الذي حاول إعادة الوحدة بين الشرق والغرب، ثمّ في مجمع فلورنسا سنة 1439 في "القرار الموجَّه إلى الأرمن"، وأخيراً في المجمع التريدنتيني الذي أكّد في جلسته السابعة سنة 1547 أنّ الأسرار السبعة قد أسّسها يسوع المسيح نفسه، دون الدخول في طريقة هذا التأسيس الذي تمَّ على يد المسيح.
في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين طبّق بعض اللاهوتيّين على تأسيس الأسرار نظرية الكردينال نيومن في تطوّر العقائد. فالوحي كلّه، حسب هذه النظرية موجود ضمناً في الكنيسة، ولكنّه لا يتّضح لها ولا تعيه وعياً كاملاً إلاّ تدريجياً وبعمل من الروح القدس فيها. وهكذا أنشأ المسيح الأسرار، أي إنّه أرادها كلّها، غير أنّ بعضاً منها، كالمعموديّة والإفخارستيّا، يرتكز إلى أقوال صريحة له، فيمَا البعض الآخر لا يستند إلاّ إلى رغبته التي تستشفّها الكنيسة مع الزمن من خلال تأملّها لأعماله ولسرّ موته وقيامته.
ويؤكّد اللاهوتيّون المعاصرون أنّ تأسيس الأسرار متضمَّن في تأسيس الكنيسة في هذا يقول سْخيلّيبكِسْ: "إنّ تأسيس الكنيسة كسرّ أوّلي وأساسي يتضمّن في جوهره تأسيس الأسرار السبعة". ويقول كارل راهنر: "ليس من الضروري أن يستند وجود أسرار حقيقيّة، بالمعنى الدقيق والتقليدي لهذه اللفظة، وفي جميع الحالات، إلى قول محدّد (يمكن تيقّنه أو مُفترَض) فاه به يسوع التاريخي مشيراً إشارة صريحة إلى سرّ معيّن. فإنّ كل عمل أساسيّ في الكنيسة، أي كلّ عمل يرتبط ارتباطاً حقيقياً بجوهر الكنيسة، من حيث هي الحضور التاريخي والاسختولوجي للخلاص، هو، بالنسبة إلى أوضاع الشخص الحاسمة، بالفعل نفسه سرّ، وهذا يبقى صحيحاً، حتى ولو تطلّب إدراك هذا الارتباط السرّي بجوهر الكنيسة وقتاً طويلاً. إنّ تأسيس سرّ يمكن (وهذا طبعاً لا يعني: يجب دوماً) أن ينتج فقط من كون المسيح قد أسسّ الكنيسة، ووسمها بسِمَة السرّ الأوّلي والأساسي".
ب) اللاهوت الأرثوذكسي
يقول اللاهوتي الأرثوذكسي جان مايندورف في كتابه مدخل إلى اللاهوت البيزنطي: "إنّ اللاهوت البيزنطي يجهل التمييز الغربي بين "الأسرار" و"أشباه الأسرار". لذلك لم يقتصر قط على عدد محدّد من الأسرار معلناً إعلاناً رسميًّا. ففي زمن الآباء، لم تكن هناك لفظة للدلالة على "الأسرار" كنوع معيّن من الأعمال الكنسيّة. فلفظة سرّ كانت تُستعمل في درجة أولى بالمعنى الواسع والعام، أي بمعنى "سرّ الخلاص"، ثمّ في درجة ثانية فقط كانت نشير إلى الأعمال الخاصة التي تَمنَح الخلاص. وللدلالة على هذا المعنى الأخير، كانت نُستعمل أيضاً لفظتا "طقوس" و"مقدَّسات". وإننا نجد لدى ثيوذوروس الأستودي في القرن التاسع لائحة بستة أسرار: الاستنارة المقدّسة (أي المعمودية)، والاجتماع الإفخارستي، والميرون، والرسامة الكهنوتيّة، والتكريس الرهباني، ورتبة الجنّاز. أمّا عقيدة "الأسرار السبعة" فقد ظهرت للمرة الأولى، في شكل مميّز، في الاعتراف بالإيمان الذي طلبه البابا اكليمنضوس الرابع من الامبراطور ميخائيل باليولوغوس سنة 1267 بمناسبة انعقاد مجمع ليون. وبالطبع فقد كان هذا الاعتراف بالإيمان من إعداد لاهوتيّين لاتينيّين".
ثمّ يضيف مايندورف أنّ تحديد هذا العدد من الأسرار قد وجد شبه إجماع لدى اللاهوتيين الأرثوذكسيين، حتى لدى الذين كانوا يعارضون بشدّة الاتحاد مع رومة. وقد وجدوا فيه عدداً رمزياً يشير إلى مواهب الروح القدس السبع التي يأتي على ذكرها أشعيا النبي (11: 2- 4).
غير أنّنا نجد بعض الاختلاف عند اللاهوتيين الأرثوذكسيين في تحديد هذه الأسرار السبعة فالراهب أيوب (في القرن الثالث عشر)، في بحث له في الأسرار، يحدّد عدد الأسرار بسبعة، ولكنّه يعتبر التكريس الرهباني سرًّا، ويجمع التوبة ومسحة المرضى في سرّ واحد. كذلك سمعان التسالونيكي (في القرن الخامس عشر) يعتبر التكريس الرهباني سرًّا، لكنّه يضمّه إلى سرّ التوبة. أما جوازاف، ميتروبوليت أفسس، ومعاصر سمعان التسالونيكي، فيقول: "أعتقد أنّ أسرار الكنيسة ليست سبعة وحسب، بل أكثر من ذلك". ويقدّم لائحة بعشرة أسرار تتضمّن التكريس الرهباني، ورتبة الجنّاز وتكريس الكنائس.
إنّ الكنائس الأرثوذكسيّة، لم تحدّد بشكل رسمي لائحة الأسرار. لذلك نرى اختلافاً في تحديد هذه اللائحة. ففي حين يقبل معظم اللاهوتيين اللائحة الغربية، يعطي البعض لائحة مختلفة، ويركّز البعض الآخر على سرَّي المعمودية والإفخارستيّا. فيؤكّد غريغوريوس بالاماس أنّ خلاصنا كلّه يستند إلى هذين السرّين، لأنّ فيهما كمال التدبير الخلاصي الذي أتمّه الكلمة المتجسّد. ويركّز نيقولاوس كاباسيلاس، في كتابه الشهير الحياة في المسيح، الحياة المسيحية كلّها على أسرار التنشئة الثلاثة: المعمودية والميرون والإفخارستيا.
ونجد لدى اللاهوتي الأرثوذكسي الروسي المعاصر نيقولا أفاناسييف توضيحاً هاماً لتمييز الأسرار السبعة عن غيرها من المقدّسات أو أشباه الأسرار، كتكريس الهيكل، وإكرام الإيقونات، وتقديس المياه، وبركة الثمار، والجنّاز، والنذورات الرهبانيّة، وإشارة الصليب، والصلاة. فكل هذه الممارسات الدينية تمنح نعمة الروح القدس، إلاّ أنّ الأسرار السبعة تتميّز عنها بارتباطها العضوي بالكنيسة. فكل سرّ هو حدث يتمّ داخل الكنيسة، وبواسطة الكنيسة، ولأجل الكنيسة.
فبالمعمودية والميرون يولد الإنسان ولادة جديدة ويصير عضواً في الكنيسة. وبالإفخارستيا تتكوّن الكنيسة جسد المسيح ويتّحد أعضاؤها بعضهم ببعض، كما نقول في ليتورجيّا القدّيس باسيليوس: "نحن الذين يشتركون في الخبز الواحد والكأس الواحدة، إجعلنا متّحدين بعضنا ببعض في شركة الروح القدس الواحد". وبالتوبة ومسحة الرضى يعود الخاطئ والمريض إلى الكنيسة وإلى شركة القدّيسين. والكهنوت يمنح الكنيسة أساقفة وكهنة ليكمّلوا فيها حضور المسيح في الكلمة والإفخارستيّا، ويحافظوا على وحدة الكنيسة. وأخيراً بواسطة سرّ الزواج يدخل الرجل والمرأة الكنيسة، ليس كفردَين بل كاسرة، ويشتركان معاً في حالتهما الجديدة في الاجتماع الإفخارستيّ.
ج) اللاهوت البروتستنتي
لقد أكّد لوثر والبروتستنتيّون أنّه لا يمكن أن يدعى سرًّا إلاّ ما أنشأه المسيح بشكل صريح, واستناداً إلى هذا المبدأ لم يحفظوا من الأسرار سوى المعمودية والافخارستيّا، مع بعض الاختلاف بين الكاثوليكيين والبروتستنتيين من جهة، وبين الكنائس البروتستنتيّة نفسها من جهة أخرى، حول مفهوم حضور المسيح في سرّ الإفخارستيّا. فاللوثرّيون يؤكّدون أنّ حضور المسيح في هذا السرّ يجب أن يعتبر حضوراً "حقيقيَّا"، إلاّ أنّهم يرفضون النظرية الكاثوليكية القائلة بتحوّل جوهر الخبز والخمر. أمّا سائر الكنائس البروتستنتيّة فتركّز على حضور المسيح بواسطة الروح القدس أو في "ذكرى" الرتبة الإفخارستية في مجملها.
أمّا سرّ الميرون فلا تقرّ به الكنائس البروتستنتية كسرّ متميّز عن المعموديّة نظراً إلى كون المسيح لم يأتِ على ذكره صراحة. وقد أنشأت عِوَضاً عنه في القرن السابع عشر رتبة احتفالية تتضمّن وضع اليد والصلاة، يدخل فيها الفتى والفتاة لدى بلوغهما السن الرابعة عشرة دخولاً رسمياً كأعضاء فاعلة في الرعية، ويتاح لهما الاشتراك في الاحتفال الإفخارستيّ. ولكنّ هذه الرتبة لا تُعتبَر سرًّا، مخافة التقليص من أهمية سرّ المعمودية.
كذلك تؤكّد الكنائس البروتستنتية ضرورة التوبة الدائمة وضرورة إعلانها في رتب كنسيّة، وقد حافظ لوثر على الحلّة من الخطايا. ولكنّ هذه الكنائس لا تعتبر هذه التوبة سرًّا خاصاً، بل عودة إلى المغفرة إلتي نالها المسيحي لدى قبوله المعمودية. فالمعمودية هي السرّ المختصّ بمغفرة الخطايا، واعتبار التوبة سرًّا آخر يغفر الخطايا بشكل منفصل عن المعمودية يقود، في نظر الكنائس البروتستنتية، إلى تقليص أهمية المعمودية.
أمّا بالنسبة إلى الكهنوت، فالكنائس البروتستنتية تحتفل في رتبة خاصة بسيامة الرعاة المسؤولين عن الكنائس من أساقفة وقسّيسين، غير أنّها لا تعتبر هذه السيامة سرًّا يمنح الرعاة درجة خاصة في جماعة المؤمنين. فالمسيح يبقى "الكاهن الأوحد"، وجميع المسيحيين، من جرّاء معموديتهم، يشتركون على حدّ سواء في كهنوت المسيح. لذلك لا يمكن أن يدعى الرعاة المسؤولون عن الكنائس "كهنة" بحيث يتميّز كهنوتهم عن كهنوت سائر المسيحيين، كما في اللاهوت الكاثوليكي والأرثوذكسي. وتجدر الإشارة إلى أن الأنكليكانيّة تشاطر الكنيسة الكاثوليكيّة نظرتها إلى سرّ الكهنوت.
وأخيراً ترى الكنائس البروتستنتية في الزواج عملاً مدنياً لا علاقة للكنيسة به من حيث التشريع وسنّ القوانين ومنع الطلاق. لكنّه، على غرار جميع الأعمال المدنية، بحاجة إلى أن يتقدّس بكلمة الله. لذلك تُقام في الكنائس البروتستنتية حفلة دينية يعبّر من خلالها المتزوّجون عن رغبتهم في أن يبدأوا حياة جديدة وفق إرادة المسيح المعلنة في الكتاب المقدّس. ولكنّ هذه الحفلة لا يمكن اعتبارها، في نظر تلك الكنائس، سرًّا على غرار المعمودية والإفخارستيّا.
د) اللاهوت المعاصر
يحاول اللاهوتيّون اليوم، في مختلف الكنائس، تخطّي المعضلة التي نشأت بين الكنائس البروتستنتية والكنيسة الكاثوليكية حول ضرورة وجود نصوص في العهد الجديد يعلن فيها المسيح بصراحة إرادته في إنشاء هذا السرّ أو ذاك.
نقرأ في كتاب مشترك نشره لاهوتيون كاثوليكيون وبروتستنتيون: "السؤال الحقيقي ليس السؤال التالي: هل يمكننا أن نبرهن، بالاستناد إلى الكتاب المقدّس، أن المسيح قد أسّس هو نفسه الأسرار؟ بل السؤال هو بالحريّ: هل عمل الفداء الذي أتمّه المسيح يستمرّ بفاعلية، من خلال الأعمال الكنسيّة التي دُعيت منذ عدة قرون "أسراراً"، في الذين يقبلونها؟ وهل تشبه فاعليّة هذه الأسرار مثلاً فاعلية التبشير بالكلمة؟ ولكن هذه الطريقة في عرض المشكلة، ولو طُرح السؤال على هذا النحو، تبقى غير كافية. فالسؤال عامّ جدًّا، لذلك لا يمكن الإجابة عليه. ويكفي لإظهار ذلك إلقاء نظرة سريعة على السرَّين الأساسيّين، المعمودية والإفخارستيّا. فهما على قدر كبير من الاختلاف، بحيث يصعب جمعهما في منهجيّة واحدة. كما أنّ هذه الطريقة في معالجة المسألة تقود إلى التقليص من ملء العمل الذي يريد المسيح أن يسبغ علينا مفاعيله من خلال الأسرار. فيبدو من ثمّ كم هو صعب، في موضوع الأسرار، تقديم براهين مستقاة من الكتاب المقدّس. وتتضاعف الصعوبة أيضاً عندما ننظر إلى تنوّع الأشكال التي أخذتها الأسرار المختلفة عبر التاريخ، والطرق المتعددة التي تمَّ فيها فهم طبيعتها. فما هو المقصود إذن تبيانه من خلال الكتاب المقدّس؟
"وإن جاز لنا الإدلاء برأي في الموضوع، يكون له بعض الفائدة ويتيح بعض التقدّم، نقول إنّه من الأفضل ألاّ نوجّه أنظارنا إلى عدد الأسرار بقدر ما نوجّهها إلى كل سرّ في ذاته، فنحاول إدراك طبيعته. فالعلم الكتابيّ والتاريخ يعلِّماننا أنّ البحث عن براهين في الكتاب المقدّس لا يقود إلى شيء حاسم بالنسبة إلى عدد الأسرار.
"والكنيسة الكاثوليكية مدركة تمام الإدراك هذه المشكلات، عندما تحافظ، بالرغم من كل شيء، على الأسرار التي ترفضها كنائس الإصلاح. إذ تعتبر أن هذه الأسرار، رغم تشابهها، يختلف بعضها عن بعض إلى حدّ بعيد، بحيث لا يمكن تذويها في السرَّين أو الثلاثة أسراراً التي حفظتها الكنائس البروتستنتية. وعلاوة على ذلك، ترى الكنيسة الكاثوليكية أنّ هذه الأسرار لا تلزم الجيمع إلزاماً مطلقاً بدرجة مماثلة، ومن جهة أخرى هناك كنائس بروتستنتية كثيرة تجلّ الأسرار التي تحتفل بها الكنيسة الكاثوليكية وتقدر شأنها، دون أن يحملها هذا التقدير على أن تدعوها أسراراً".
نستخلص من هذا النص ثلاث أفكار هامّة من شأنها مساعدتنا في كل بحث لاهوتي في موضوع

الأسرار:
أوّلاً: إنّ الاستناد إلى الكتاب المقدّس لتحديد عدد الأسرار لا يمكن أن يقود إلى شيء جازم.
ثانيا: من الأفضل البحث في كل سرّ على حدة بعرفة كيفيّة استمرار عمل فداء المسيح فيه.
ثالثاً: إنّ وجهات النظر بين اللاهوت الكاثوليكي واللاهوت البروتستني في موضوع الأسرار بدأت تتقارب، وإن بقيت بينهما فروقات هامة. فالكاثوليكيّون يقرّون ضرورة التمييز بين الأسرار من حيث أهميّتها، والبروتستنتيون يحترمون كل الأسرار الكاثوليكيّة، وإن أصرّوا على ألاّ يدعوا أسراراً إلاّ بعضاً منها، رغبة منهم في إبراز أوّلية المعمودية والإفخارستيّا.
نودّ أخيراً لفت الانتباه إلى أنّ التقارب الحاصل بين اللاهوت الكاثوليكي واللاهوت البروتستنتي ينسجم وفكرة آباء الكنيسة التي استمرّت في قسم من التقليد الأرثوذكسي الرافض تحديد عدد الأسرار تحديداً رسميًّا، والتي تقول إنّ نعمة الله وعمل فداء المسيح لا يمكن حصرهما في أسرار سبعة، بل يأتيان إلى الإنسان بطرق متنوّعة في رموز وطقوس متعدّدة. فالمهمّ إذاً ليس تحديد عدد الأسرار بقدر ما هو تحديد عمل كلّ من هذه الأسرار.


________ التوقيع ________
تابع كتاباتى ايضا على :

* مدونة ايماننا الاقدس
* موقع دليل الايمان
* فيسبوك
avatar
Admin
الادارة العامة
الادارة العامة

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 07/02/2014

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://miras.akbarmontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى