منتديات ميراث ابائى

- فاعليّة الأسرار وكيفية عملها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

- فاعليّة الأسرار وكيفية عملها

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة ديسمبر 19, 2014 5:57 pm

قد يعترض البعض على وجود الأسرار في الديانة المسيحية، معتبرينها من مخلّفات العصور السالفة وبقايا أعمال السحر الوثنية. فهل الأسرار مجرد أعمال خارجية يقوم بها الإنسان ليتيح لله التدخّل في حياة البشر؟ وكيف يتمّ عمل الله في الأسرار؟ وما هو دور الإنسان في هذا العمل؟
لا بدّ من الإجابة عن هذه الاعتراضات والأسئلة وتفسير فاعليّة الأسرار في المسيحية وكيفيّة عملها. ولكن قبل ذلك يجب توضيح الموضوع الذي نحن بصدده. فالأسرار ليست أعمالاً اعتيادية، بل هي من نوع العلامات والرموز والطقوس.
1- العلامات والرموز والطقوس
أ) العلامات،
العلامة شيء يحيل الى شيء آخر، بحيث إنَّ من يدركها أو يتصوّرها يدرك أو يتصوّر في الوقت عينه الشيء الذي تشير إليه. فالعلامة لا معنى لها لأجل ذاتها، بل تعني دوماً شيئًا آخر. فإشارات السير هي من نوع العلامة: فالضوء الأحمر يشير الى ضرورة التوقف، إلخ.. والكلمات هي أيضاً من نوع العلامة: فلدى قراءة كلمة أو سماعها، يتبادر الى الذهن الشيء الذي تعنيه.
ب) الرموز
الرمز علامة تشير الى ما يتخطّى الظواهر الحسّية والمادّية. فإهداء باقة من الزهور هو رمز الصداقة والمحبة، والعلم الذي نرفعه ونحيّيه هو رمز الوطن.
وفي كل رمز وجهان، وجه مُعطى في صلب الطبيعة، ووجه يضيفه الإنسان على الأشياء التي يكتشفها في الطبيعة. فالرمز ليس علامة اعتباطية يخلقها الإنسان من لا شيء، بل هو يستند الى قدرة كامنة في الطبيعة نفسها. فهناك أشياء تحمل في ذاتها إمكان استعمالها كرمز. فالماء يمكن استعماله رمزًا للتنقية لأنّه بطبيعته يغسل ويطهّر، واليد يمكن أن تستعمل رمزًا لمنح السلطة لأنّها بطبيعتها تُستعمل لأعمال القدرة.
بيد أنّ الرمز لا يكتمل معناه إلاّ بتدخّل الإنسان الذي يختار من بين المعاني الممكنة التي تتضمّنها الأشياء المعنى الذي يراه مناسباً للتعبير عن الفكرة التي يقصدها. إذّاك يصير معنى الرمز مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالأشياء
ثمّ إنّ اختيار معاني الرموز ليس عمل إنسان فرد بل عمل جماعة معيّنة. وفي هذا الموضوع قد يجد الفرد تقييداً لحرّيته في ضرورة قبوله رموز الجماعة التي يعيش فيها، ولكن عليه أن يدرك أنّ ضرورة الرموز تأتي من ضرورة مؤسّسات المجتمع البشري. فالزواج مثلاً هو مؤسّسة رئيسة في المجتمع، والخاتم الذي يلبسه الزوجان يرمز إلى ارتباط أحدهما بالآخر في الزواج.
لا يمكن، في نظرنا، الاستغناء عن الرموز، لأنّ الإنسان روح وجسد معًا، ولا بدّ له من التعبيرعن أفكاره الروحيّة بأمور حسّية، كما أنّه يشعر بحاجة الى إضفاء معانٍ روحيّة على ما يختبره اختبارًا مباشرًا في أمور المادة.
لا شكّ أنّ معاني الرموز تتطوّر مع تطوّر الثقافات والحضارات. والرمز الذي يفقد معناه ولا يعود يعني أيّ شيء للجماعة البشرية لا يعود رمزًا، فيُستبدل به رمز آخر. فالعقد في القديم كان يتمّ بأن يقسم المتعاقدان حلقة أو صدفة الى جزئين مماثلين، فيحتفظ كلّ من المتعاقدين بأحدهما. أمّا اليوم فيتمّ العقد بتوقيع الطرفين لدى شاهد رسمي. وهذا التوقيع قد حلّ محلّ الرمز القديم. أمّا في عقد الزواج فقد صارت الخواتم رمز الرباط الزوجي.
وهنا لا بدّ من الإشارة الى أنّ الرموز الدينية هي أيضًا من وضع المجتمعات البشرية. فلكلّ ديانة رموزها الخاصة. والمسيحية التي نشأت في ثقافة يهودية ويونانية قد استقت معظم رموزها من تلك الثقافة.
قد تتطوّر الرموز، حتى في المسيحية. بيد أنّ هناك رموزاً تُعتَبر تأسيسية. لأنّها مرتبطة بنشأة المسيحية، لأنّ المسيح والرسل استخدموها، كالمعمودية بالماء، والاحتفال بالعهد الجديد مع الله بواسطة الخبز والخمر، ومنح السلطة بوضع اليد، ومسحة المرضى بالزيت، فهذه الرموز لا يمكن أن تكون عرضة لاعتباطيّ التغيير والتبديل.
أمّا الرموز الأخرى، كالبخور والشمع والثياب الليتورجية والتطوافات الدينية، فليست مرتبطة بتأسيس الكنيسة. لذلك لا تضاهي بأهميتها الرموز التأسيسيّة. إلاّ أنّ استخدامها ينتج من رغبة الإنسان في إضفاء جوّ خاصّ على الطقوس الدينية للدلالة على وجود أبعاد متسامية في الأعمال المقدّسة التي يقوم بها.
ج) الطقوس
إنّ لفظة طقس مأخوذة عن اللفظة اليونانية "تاكْسِيْسْ" التي تعني "النظام" و"الترتيب"، وهي مرادفة بالعربية للفظة "رُتْبة" (جمعها رُتَب). فالطقس هو تنظيم السلوك البشري بالنسبة الى حقائق لا يستطيع الإنسان أن يدكها إدراكًا مباشرًا ولا تخضع لعمله. فالطقس هو عمل جماعي رمزي. وبسبب ارتباطه بمَا يتخطّى إدراك الإنسان المباشر، فهو يتّسم دومًا بسمة الفخامة والأبّهة، التي تظهر حتى في العبارات المستعملة في الطقوس. فيقال "التطواف" بدل "السير"، و"الإعلان"، بدل "الكلام". وكذلك الحركات في الطقوس تتمّ ببطء وأبّهة.
إنّ ظاهرة الطقوس في المجتمع البشري ليست مرتبطة بأمور الدين وحسب، بل تشمل مختلف ميادين الوجود البشري في المجتمع. ففي الحياة اليومية نمارس طقوسًا أكثر ممّا نظنّ: فعبارات التحيّة وطرق المصافحة والمراسة، ومراسيم الأعياد والاستقبالات والاحتفالات والمهرجانات، كل هذه الأمور هي من نوع الطقس، وتتّسم حتمًا بسمة التقليدية، لأنّها تستمرّ في المجتمع وتتكرّر.
إنّ هدف الطقوس هو تأمين إطار خارجي مستقرّ يشعر فيه الإنسان براحة نفسية، فلا يوجّه طاقاته الى ابتكار إطار يتجدّد باستمرار، بل الى تعميق خبرته الشخصية وتكثيف علاقاته مع ذاته ومع الآخرين. فالطقوس هي ممارسات خارجية تريح الإنسان وتتيح له القيام في داخله باختبارات شخصيّة عميقة.
إنّ الطقوس الأساسية في المجتمع البشري هي التي ترتبط بالأحداث الهامة التي يمرّ بها الإنسان في حياته ولا سيّمَا تلك التي ينتقل فيها من مرحلة الى أخرى، كالولادة، والمراهقة، والزواج، والوفاة. ففي هذه الأحداث يختبر الإنسان أمورًا جديدة تفوق قواه، لذلك يميل الى رفض هذا الانتقال. وبمَا أنّ الطقوس هي أعمال ثابتة ومعهودة، فإنّها تساعد الإنسان على التكيّف مع المجهول وقبول الانتقال.
غير أنّ الطقوس ليست مجرّد إطار خارجي يتمّ من خلاله العمل ويتحقّق معناه، بل هي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعمل الذي يقوم به الإنسان وبمعناه، وتسهم إسهامًا فعّالاً، وإن على طريقتها الخاصّة، في تتميم هذا العمل وتحقيق معناه. إنّ بين الإطار الخارجي والخبرة الداخلية علاقة كيانية، بحيث إنّ من يقتصر على القيام بمَا تقتضيه الطقوس من حركات خارجية دون أيّ اقتناع داخليّ بمعناها يقع في الرئاء الذي شجبه المسيح في ديانة الفرّيسيين (راجع متى 23: 24- 28).
الطقوس الدينية هي أعمال تساعد الإنسان على الوصول الى الاتّحاد بالله. لذلك لا بدّ من أن تحمل في جنباتها البعد الروحي الذي تهدف الى إبرازه، أي الخلاص الشخصي. ويجب ألاّ يغيب عن بالنا الرباط الوثيق بين العمل الطقسي والخبرة الروحية الذاتية، وإلاّ تحوّلت الطقوس أعمالاً سحرية آلية. إنّ الطقوس تتطلّب الالتزام، ويجب ألاّ تكون مدعاة لرفض التجدّد وخنق روح الابتكار لدى من يمارسها. إنّ التعلّق الحرفي بالطقوس حتى إهمال الروح يقود الى تفريغ الطقوس من معناها. وإنّه لفي خطإ فادح من يعتقد أنّ تتميم الطقوس بحذافيرها يكفي للحصول على نعمة الله.
2- كيف يتمّ عمل الأسرار؟
الأسرار طقوس دينية تعبّر من خلالها الكنيسة عن خبرتها الروحية العميقة. وقوام هذه الخبرة هو التقاء الإنسان بالله من خلال شخص يسوع المسيح الذي يستمرّ حضوره في الكنيسة على مدى الزمن.
كيف يتمّ في الأسرار التقاء الإنسان بالله، وكيف يستمرّ فيها حضور المسيح؟
للإجابة عن هذين السؤالين، لا بدّ لنا قبلاً من إجراء مقارنة بين النظرة الوثنية والنظرة المسيحية لعلاقة الإنسان بالله من خلال الصلوات والأسرار.
أ) النظرة الوثنيّة: مبادرة إنسانية للتأثير في القدرة الإلهيّة
كان الوثنيون يرون في الأسرار وما يرافقها من صلوات وابتهالات وطقوس مجرّدَ أعمال خارجية يقوم بها الإنسان ليستمطر عليه نعمة الله. ففي هذه النظرة يغدو المعنى الذي تحمله الأسرار خارجًا عنها وآتيًا الى الإنسان بواسطتها من كائن غريب عن البشر. فالطقوس الوثنية تهدف الى التأثير في القدرة الإلهية لحملها على التدخّل لمصلحة الإنسان وإنقاذه من المضايق التي تنتابه والمشكلات التي يتخبّط فيها.
وهنا يجب التمييز، حتى في الديانات الوثنية، بين الطقوس الدينية والسحر. فالسحر هو القيام بأعمال يحاول من خلالها البشر امتلاك القوى الفائقة التي يتمتّع بها الآلهة في سبيل تسخيرها لتحقيق مآربهم الخاصة. لذلك، تحاشيًا للانزلاق في الأعمال السحرية، أكّد الكتّاب اليونانيّون أنّ الطقوس الدينية لا تهدف الى إرغام الآلهة على التدخّل لمصلحة الإنسان. لكنّ الآلهة أنفسهم قد قرّروا بملء اختيارهم الاستجابة لصلوات البشر والعمل لأجلهم من خلال طقوس معيّنة.
لقد تأثّر اللاهوت المسيحي التقليدي والدين الشعبي بهذه النظرة الوثنية وعبّرا في كثير من الأحيان عن مفعول الأسرار بأسلوب مماثل يضحي فيه إيمان الإنسان كلّ ما يقوم به من أسرار وطقوس وصلوات مجرّد شروط خارجية لتدخّل الله. كلّنا نسعى وراء السعادة والخلاص والشفاء، وإذ لا نجد هذه الأمور بسبب ضعفنا وحدود طبيعتنا البشرية، نطلب الى الله أن ينزل من علياء سمائه ويتدخّل ليقوم بها عوضاً عنّا. وعندما لا يستجيب الله، نكرّر الطلب ونقدّم الذبائح والصلوات والأصوام، ولكن سرعان ما ندرك أنّنا لا نزال على ما نحن عليه، وكأنّ الله غافٍ أو ساهٍ عنّا، أو، كمَا كان يقول اليونانيون القدماء، منهمك بتنظيم الكون.
أنا أريد السعادة، وإذ أعجز عن الوصول إليها بقواي الشخصية، ألتجئ إلى الله، فيمنحني ايّاها. والصلاة والأسرار تدخل إطار توجّهي إلى الله.
كثير من المسيحيين لا يزالون يعتنقون هذه النظرة في علاقتهم بالله في الصلاة والأسرار. إنّ لديهم رغبة صادقة في دخول علاقة مع الله، وهذا أمر إيجابيّ. لكنّ هذه الرغبة لا تزال صبيانية، وهي بحاجة الى أن تصير رغبة بالغة. فالله يريد أن يكون الإنسان بالغًا: إنّه يحبّه ويحترمه. حتى إنّه يريده أن يأخذ هو نفسه مسؤولية حياته.
ب) النظرة المسيحية: المبادرة من الله، وهي تعيد الإنسان الى ذاته
إنّ السعادة التي أرغب فيها وأسعى إليها يريدها الله أيضا لي، ولكنّه يريد أن أبنيها أنا نفسي. فأنا المسؤول عنها. وفي هذه المسؤولية تكمن عظمتي وكرامتي ومغامرة حياتي. وفي اعتناقي هذه المسؤولية أؤمن أنَّ الله لا يغيب عنّي.
أنّ الصلاة والأسرار ليست في اتجاه واحد، أي من الإنسان الى الله، بل هي علاقة تبادل بين الله والإنسان. والمبادرة، في الصلاة كمَا في الأسرار، تأتي من الله. فهو الذي يوحي إلينا بأن نصلّي، حسب قول بولس الرسول: "إنّا لا نعرف كيف نصلّي كمَا ينبغي، لكنّ الروح نفسه يشفع فينا بأنّات تفوق الوصف" (رو 8: 26)؛ و"ما من أحد يستطيع أن يقول: يسوع ربّ، إلاّ بالروح القدس" (1 كو 2: 3). ومبادرة الأسرار تأتي أيضاً من الله، بواسطة عمل المسيح. فالأسرار ليست أعمالاً إنسانيّة تهدف إلى استعطاف الله واسترضائه. تلك كانت حال الذبائح في العهد القديم. أمّا في العهد الجديد، فالذبيحة الوحيدة هي ذبيحة يسوع على الصليب، والتقدمة الوحيدة الجديرة بالله ليست تقدمة بشرية وحسب، بل هي أوّلاً تقدمة الله ذاته لنا في شخص ابنه يسوع. وكل أسرار العهد الجديد هي استمرار لهذه التقدمة.
ج) الأسرار: احتفال بالتقائنا المسيح القائم من بين الأموات
لتوضيح عمل الأسرار في حياة المسيحي، ننطلق من ثلاثة مشاهد نقرأها في العهد الجديد عن حياة المسيحيين الأوّلين.
* ترائي المسيح لتلميذي عمّاوص (لو 24: 13- 35)
في هذا المشهد نرى تلميذين يغادران، بعد موت يسوع، أورشليم، مدينة الخلاص ومدينة الفداء، ليعودا إلى قريتهما، أي الى وضعهما الأوّل قبل مجيء المسيح، وقد فقدا كل أمل بالخلاص والفداء (راجع 24: 21).
"وفيمَا هما يتحادثان ويتباحثان، دنا إليهما يسوع نفسه، وأخذ يسير معهما. إلاّ أنّ أعينهما قد أُمسكت عن معرفته.. وراح يفسّر لها ما يختصّ به في الأسفار كلّها، ذاهبًا من موسى الى جميع الأنبياء. واقتربوا من القرية التي كانا يقصدانها، فتظاهر بأنّه قاصد الى مكان أبعد. فألحّا عليه، قائلين: أقم معنا، فإنّ المساء مقبل، والنهار قد مال. فدخل ليمكث معهما. ولمّا اتّكأ معهما، أخذ الخبز، وبارك وكسر وناولهما. فانفتحت أعينهما وعرفاه. ولكنّه غاب عنهما. فقال أحدهما للآخر: أوَ لم تكن قلوبنا مضطرمة فينا، إذ كان يخاطبنا في الطريق، ويفسّر لنا الكتب؟ وقاما على الفور، ورجعا الى أورشليم، فوجدا الأحد عشر ومن معهم، مجتمعين، وهم يقولون: لقد قام الرب حقاً، وتراءى لسمعان فأخذا هما يخبران بمَا جرى في الطريق، وكيف عرفاه عند كسر الخبز" (24: 15- 35).
إنّ عمل الأحرار يمكن تصوّره على مثال عمل المسيح مع هذين التلميذين. ومن هذه الرواية نستطيع أن نستخلص العناصر الهامّة التي تتضمّنها الأسرار:
1- الأسرار ليست هروبًا من الحاضر، ففيها يلتقي المسيح الإنسان في وسط اهتماماته، ليفسّر له أحداث حياته، ويساعده على أن يعيشها من جديد على ضوء حياة المسيح وموته وقيامته.
2- المبادرة في الأسرار تأتي من الله، فالمسيح، في هذا المشهد، هو الشخص الرئيس الذي يدنو من التلميذين ويسألهما، ويفسّر لهما الكتب ويكسر لهما الخبز ويناولهما.
3- الأسرار تقود الى الإيمان، ولكن بعد مسيرة طويلة. فالتعرّف الى المسيح يتطلب وقتًا. ففي بدء الرواية يشير لوقا الى أنّ التلميذين لم يعرفا يسوع عندما تراءى لهما، وفي آخر الرواية يؤكّد التلميذان أنّهما عرفاه عند كسر الخبز. ودور الإنسان للوصول الى الإيمان هو في الإصغاء الى كلام الله والانفتاح على عمله والتماس حضوره: "فألحّا عليه قائلين: أقم معنا..".
4- في كل سرّ عنصران أساسيّان متكاملان: الكلمة والمادة: فبعد تفسير الكتب المقدّسة، يأخذ يسوع الخبز ويباركه ويكسره ويناولهما.
5- وأخيرًا يعود التلميذان الى جماعة الرسل ليتبادلوا كلّهم معًا خبرتهم بالتقاء المسيح. فدور الجماعة أساسي في الأسرار. فهي التي تقرأ كلام الله وتفسّره على ضوء اختبارها التقاء المسيح في حياتها.
* اعتماد قيّم ملكة الحبشة على يد فيلبّس (أع 8: 26- 39)
المشهد الثاني يقصّه لوقا في سفر أعمال الرسل، ويروي فيه اعتماد قيّم ملكة الحبشة على يد فيلبّس أحد الشمامسة السبعة. ففي هذه الرواية نجد أيضًا عناصر السرّ الأساسية:
1- فالسرّ يلتقي الإنسان في اهتمامات حياته: كان الرجل الحبشي قد جاء الى أورشليم ليقيم فيها شعائر العبادة (8: 27). هكذا تبدأ الرواية، وتنتهي بالمعمودية باسم المسيح، مع كل ما تتضمّنه من معانٍ جديدة لحياة هذا الرجل.
2- المباشرة تأتي من الله: "فكلّم ملاك الرب فيلبّس: قم، فامض.." (8: 26)، "فقال الروح لفيلبّس: "اقترب، والزم هذه المركبة" (8: 29).
3- الأسرار تقود الى الإيمان: "إنّي أؤمن بأنّ يسوع المسيح هو ابن الله" (8: 37). والرجل هو الذي يطلب المعمودية: "هوذا ماء، فما المانع من أن اعتمد" (8: 36).
4- الكلمة والمادة. بعد تفسير الكتاب المقدّس (سفر أشعيا)، والإيمان بكلام الله، تعبّر المعمودية بالماء عن الالتزام بهذا الإيمان الجديد.
5- دور الجماعة في هذا المشهد يقوم به فيلبس الذي انتدبته الكنيسة لهذا العمل. فهو الذي يبشّر وهو الذي يعمّد.
* اهتداء بولس على طريق دمشق واعتماده على يد حنانيّا (أع 9: 1- 19)
في هذا المشهد أيضاً نجد عناصر السرّ الأساسية:
فالمسيح يلتقي بولس في وسط اهتماماته: لقد كان ذاهبًا الى دمشق لإلقاء القبض على المسيحيين، فظهر له المسيح ذاته: "أنا يسوع الذي تضطهده"، وقاده الى الإيمان به والى المعمودية التي منحه إيّاها حنانيا ممثّل الجماعة المسيحية. وتجدر الإشارة الى أنّ المسيح يكتفي بأن يظهر ذاته لبولس ثمّ يرسله الى الجماعة: "إنهض، وأدخل المدينة، فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل" (9: 6).
وبعد التقاء المسيح تغيّرت حياة بولس كما تغيّرت حياة تلميذي عمّاوص: "ومكث أيّامًا مع التلاميذ الذين بدمشق، وأخذ للحال يكرز في المجامع بأنّ يسوع المسيح هو ابن الله" (أع 9: 19- 20).
د) الأسرار تعبير عن تلاقي عمل الله وحرّية الإنسان
ليست الأسرار مجرّد أعمال خارجية يقوم بها الإنسان ليسترضي الله ويحصل على نعمته، بل هي التعبير عن تلاقي عمل الله وحرّية الإنسان.
"إنّ الله لا يحلّ محلّ البشر، ولا يدخل حياتهم دخول متسلّط. فإنّه أرسل إلينا ابنه يسوع المسيح الذي عاش في ما بيننا ومات وقام. وقبل أن بغادر هذه الحياة، أنشأ بعض الأعمال التي تتيح لنا من الآن فصاعدًا أن نلتقيه، ونسير على خطاه، ونجعل حياتنا على صورة حياته، ونكتشف السعادة الحقيقية ونحقّقها حسب نهجه.
من النادر ألاّ نصادف، ولو مرّة في حياتنا، صديقًا كان لقاؤه لنا لقاء هامًا، فنقول عن هذا اللقاء: إنّه غيّر حياتنا.
على هذا النحو يكون مفعول الأسرار. إن التقينا المسيح القائم من بين الأموات، وقرأنا حياتنا قراءة جديدة على ضوء حياته، وقمنا باختياراتنا على ضع اختياراته، تغيّر توجيه حياتنا تغييرًا جذريًّا، ليس من الخارج، لأنّه أقوى منّا، بل باحترام كلّي لشخصيتنا. إنّ المسيح يعمل فينا من الداخل، فيغيّر نظرتنا، ويميل بطرق تفكيرنا، ويساعدنا على اكتشاف ما لم ندركه بعد. إنّ فاعلية الأسرار تكمن في لقاء شخص أحبّنا، وبسبب هذه المحبة، يؤثّر فينا، ليس فقط لأنّه هو الذي يريد ذلك، بل أوّلاً لأنّنا نحن نريده".
في هذا التفسير لعمل الأسرار يتجنّب اللاهوت المعاصر الكلام على "العلّة والنتيجة"، فلا يرى في الاحتفال بالأسرار علّة لمنح النعمة، وكأنّ العلّة عمل منفصل عن النتيجة.
ومن جهة أخرى، حين يؤكّد اللاهوت المعاصر ضرورة حصول لقاء بين الله والإنسان في الأسرار، فإنّه يرفض نظرة الملحدين الذين يقولون بأنّ الطقوس والأسرار ليست سوى تعبير عمّا يخالج قلب الإنسان من مشاعر. ففي هذه النظرة تغدو الأسرار مجرّد تعبير عن الذات الإنسانية.
لا شك أنّ اللاهوت المعاصر يعتبر أن الأسرار هي من نوع فاعلية التعبير، ولكنّه لا يرى في التعبير مجرّد نقل الى الخارج لأفكار وصلت الى كمالها في داخل الإنسان. التعبير عمل ديناميكي، به تأخذ الأفكار التي لا تزال أوّلية في داخل الإنسان شكلها الكامل. إنّ الفكرة تنمو في الوجود عندما تنتقل من داخل الإنسان الى خارجه. وهكذا الحب ينمو في التعبير عنه وتجسيده في أعماله خارجية، وهكذا الصداقة تنمو في التعبير عنها وتجسيدها في الخارج.
ومع ذلك يجب القول إنّ التعبير لا يفي بالفكرة كلّها. فهناك فارق دائم لا يمكن إزالته بين الفكرة والتعبير عنها، ناتج من كون الإنسان على هذه الأرض روحًا يعبّر عن ذاته من خلال جسد ماديّ. فكثافة الجسد تحول دون شفافية الروح.
الفكرة في الأسرار هي حركة يشعر من خلالها الإنسان بدعوة الله إليه، فيدرك تلك الدعوة ويلتزمها ويعبّر عنها في الأسرار، فتتحوّل إذّاك من عمل يُفرَض الى عمل حرّ يعبّر من خلاله عن التقائه الله، ويصير ما هو عليه: إنسانًا متّحدًا بالله.
خلاصة القول أنّ الأسرار ليست عمل الله وحده ولا عمل الإنسان وحده، ففيها يتمّ تلاقي عمل الله الذي يدعو الإنسان، وحرّية الإنسان الذي يقبل دعوة الله، ويعبّر في الأسرار في عمل واحد عن وحي الله وعن إيمَانه بهذا الوحي. يقول أنطوان فيركوت، الأخصائي في علم الفلسفة الدينية:
"في التبادل بين كائنات، ليس من السهل دومًا تحديد نقطة تلاقي طريقيهما. هذه حالنا عندما نريد تحديد اللحظة الدقيقة لعبور الإنسان في الله وعبور الله في الإنسان. هناك نظرة تستند الى العلّة والنتيجة، فتوزّع أوقات التبادل على زمنية متقطّعة: فترى في مرحلة أولى عملاً إلهيًّا مسبّقًا يحمل الإنسان على الإيمان، وفي مرحلة ثانية الإيمان الذي يخضع لترتيبات الطقوس والأسرار، فينال في مرحلة ثالثة النعم الفائقة الطبيعة.
إنّ زمن التبادل ومكانه يكمنان، في نظرنا، في إيجابية الرمز الذي ينشئ في الإنسان معنى يفوق المعنى الذي يضعه فيه الإنسان. فالرمز الطقسي هو الحقيقة غير المقسومة حيث يتقاطع إيمان الإنسان وتجلّي الله. إن الرمز في الأسرار، وإن كان من عالم الإنسان، فهو بالقدر نفسه سمة إلهيّة تستمرّ نتائجها في المؤمن. إنّه الكلمة التي تنشر الكلمة الأصلية، والصورة التي تمثّل الإله الذيَ أخذ صورة إنسان، والعمل السيّد الذي يعيد الحركة التي سادت الحياة. بالطقوس يخرج الإنسان من ذاتيّته ويشترك في حقيقة متوسّطة يتجلّى فيها الله ويعمل.
إنّ التعبير الطقسي الكامل هو تفجّر الله في الإنسان، وفي الوقت نفسه دخول الإنسانِ اللهَ. إنّ عمل الإيمان والعمل الإلهي هما وجهان لعمل رمزي واحد يصير في الرموز الفاعلة".
3- ضرورة الأسرار بالمقارنة مع الصلاة والعمل
هل الأسرار تعبير ضروري عن تلاقي الله والإنسان؟ ألا يمكن المسيحي الاقتصار على الصلاة والعمل للتعبير عن لقائه بالله؟ وماذا تضيف الأسرار الى الصلاة والعمل؟
لنبدأ بتحديد الصلاة والعمل في حياة المسيحي.
أ) الصلاة هي اتصال بين الكيان الإنساني بمجمله والكيان الإلهي. إنّها تعبير عمّا يدركه الإنسان في ذاته من تفاعل بين النداءات التي يوجّهها الله اليه وخبراته الذاتية التي يشعر بضرورة تعميقها والبحث في أبعادها على ضوء الحضور الإلهي.
ب) العمل الخلقي هو تحقيق دعوة الله الى الإنسان لينمو في الكيان ويصير على مثال الله، إذ "ليس كل من يقول لي: يا رب، يا رب! يدخل ملكوت السمَاوات، بل الذي يعمل إرادة أبي الذي في السمَاوات" (متى 7: 21).
بالصلاة والعمل تتأكّد صحة الإيمَان وملاءمته العمق الوجودي الذي يدركه المؤمن في ذاته.
ج) الأسرار هي التعبير الحسّي من خلال عناصر الكون والمادة عن العلاقة الكيانية التي تربط الله بالإنسان والإنسان بالله. إنّها التعبير الذي تحقّق من خلاله كل إمكانات الإيمَان الصامتة. لذلك تجمع في طيّاتها رموز الجسد واللغة البشرية والجماعة الإنسانية والأرض كلها (بواسطة الماء والزيت والخبز والخمر والشموع والبخور وما الى ذلك) للاحتفال بحدث الله الذي يأتي الينا حقًّا من خلال العمل الإنساني.
والأسرار هي كذلك التعبير عن تحقيق تلك العلاقة بين الله والإنسان في تاريخ الخلاص في تجسّد كلمة الله في شخص يسوع المسيح، وعن ضرورة استمرار التجسّد والتألّه حتى يصير الله "كلاًّ في الكلّ".
ففي المعمودية مثلاً تأتلف في عمل رمزي كل معاني الوجود ومعاني التاريخ المسيحي، ويتحقق في المعتمد الخلاص الآتي من الله في شخص المسيح:
- فبالتغطيس يدخل الإنسان الرمز الكوني للأشياء المبهمة التي تمثّلها الماء التي لا صورة لها.
- وإذا بكلمة المسيح تنشى، بعمل خلق جديد، حياة جديدة في هذا الإنسان المرتبط بالكون.
- وعبور الماء يوجز بشكل منظور تاريخ البشرية الديني بمجمله. فالإنسان ينتقل بن الكيان الذي لا صورة له الى الشخصية المسيحية المبنيّة على صورة المسيح الكائن الجديد. وبشكل رمزي ومسبّق يقبل الموت كمرحلة حاسمة لا بدّ منها، ويؤكّد إيمَانه بأنّ جسده سيعبر مع المسيح معبر الموت الخطير.
إنّ التراث المسيحي، في الأسرار، يعتنق المعاني التي أنشأها المسيح في بعض علامات جوهرية تتميّز بمَا فيها من تقارب مع أسس الوجود البشري. وهكذا على الوجود الطبيعي تضفي الأسرار المسيحية سمة دخول الله تاريخ البشرية.
4- حضور المسيح في الأسرار
إنطلاقًا من اللقاء بين الله والإنسان في الأسرار، يمكننا فهم "حضور المسيح" فيها. ماذا نعني بلفظة حضور، وكيف يكون المسيح حاضرًا في الأسرار؟
أ) الحضور علاقة ديناميكية بين أشخاص
الحضور يعني دومًا علاقة تبادل بين أشخاص. فالأشياء لا يمكن أن تكون حاضرة بعضها لبعض. الأشخاص وحدهم يمكنهم أن يكونوا حاضرين أحدهم للآخر. فالحضور يتطلّب انفتاحًا على الآخر وعطاء حرًّا له.
في كل حضور انفتاح ضروري على الآخر لنتقبّله في حياتنا. الحضور ليس واقعًا جامدًا بل هو علاقة ديناميكية تخرج الإنسان من ذاته وتفتح أمامه آفاقًا وإمكانات جديدة. فالآخر يحذبني إليه لأحقّق معه عملاً مشتركاً أو أعيش معه في حياة مّشتركة.
في الحضور درجات متنوّعة من الكثافة. ولكنّ الحضور الحقيقي للآخر في حياتي وفي كياني لا بدّ له أن يغيّر حياتي وكياني. وقد يكون هذا التغيير جذريًّا.
ب) حضور المسيح
إنّ حضور المسيح لا يسعه أن يكون مجرّد حضور في أشياء، كالماء والخبز والخمر والزيت. فلا حضور للمسيح إلاّ في علاقة مع شخص إنساني يؤمن به. وتلك العلاقة تتحقّق بشكل سرّي، أي بواسطة أشياء مادّية منظورة تدعى "مادة السرّ"، كالماء، والخبز والخمر، والزيت، ووضع اليد، تعبّر عن حقيقة غير منظورة. إن عطاء المسيح ذاته لنا في الأسرار يكون دوماً من خلال مادة معيّنة. ولكنّ الهدف الأخير من هذا العطاء هو إنشاء علاقة شخصية مع المؤمن.
وعندما تنشأ علاقة بين أشخاص، لمكن القول إنّ حضورهم بعضهم لبعض هو حضور حقيقي يتّخذ أشكالاً متنوّعة. فانطلاقاً من خبرتنا البشرية، نستطيع القول إنّنا حاضرون بعضنا لبعض في الكلام، والوجود الصامت جنبًا الى جنب، والهدايا، وأعمال المحبة.
في كل هذه الأنواع حضورنا هو حضور حقيقي. ولكن ما هو الحضور الأكثر حقيقة والأشدّ كثافة؟ إنّه يصعب الجواب عن هذا السؤال إجابة جازمة. فقد يكون أحد هذه الأنواع أكثر حقيقة وفق الظروف والأحوال. فهناك ظروف أشعر فيها بأنّ وجود أحد أصدقائي الى جانبي وجودًا صامتًا هو حضور أصدق وأعمق من كلّ ما يستطيع أن يخاطبني به أو يهديه إليّ.
كذلك حضور المسيح حضوراً حيًّا وحقيقيًّا في الكنيسة هو حضور متنوّع. فحضوره في الإنجيل متميّز عن حضوره في سر الإفخارستيا وفي الأيقونة وفي الجماعة المؤمنة.
إنّ التقليد اللاهوتي الغربيّ منذ القرون الوسطى قد خصّ حضور المسيح في سرّ الافخارستيّا بعبارة حضور حقيقي. إنّ هذه العبارة قد تضلّل المؤمنين، إذ توهمهم أنّ حضور المسيح في سائر الأسرار هو حضور رمزي، أمّا في الإفخارستيا فهو حقيقي.
يجب التأكيد أنّ حضور المسيح في جميع الأسرار هو حضور حقيقي ورمزي معًا. فالمسيح قد قام من بين الأموات، وهو الآن حيّ في مجد الآب، ويحضر حضورًا حقيقيًّا في جميع الأسرار، كما يحضر حضوراً حقيقيًّا في الإنجيل وفي الجماعة المؤمنة. وهنا نعني بصفة "حقيقي" ما يكمن في الأشخاص والأشياء من معانٍ وأبعاد تتخطّى كيانها الظاهر. فحقيقة الشخص أو الشيء هي ما يشدّ كيانه الظاهر الى ما يمكن أن يحمله من معانٍ وأبعاد. فالفرق بين الأسرار لا يكمن في حقيقة حضور المسيح فيها، بل في ما تحمله من معانٍ.
لذلك لا تأتي أهمية سرّ الإفخارستيا بالنسبة إلى سائر الأسرار من أنّ المسيح حاضر فيها حضورًا أكثر حقيقة، بل من أنّ هذا السرّ يعيد الى ما بيننا حضور شخص المسيح في قمّة عطائه، أي في بذل ذاته حتى الموت في سبيلنا، وفي قيامته بقدرة الروح الى مجد الآب. فالفرق بين هذا السرّ وسائر الأسرار هو في ما يحمله من معانٍ. إن محور سرّ الإفخارستيّا هو عبور يسوع من الموت الى الحياة، وانتقاله الى مجد الله، "ذاك المجد الذي كان له من قبل كون العالم" (يو 17: 5). في هذا المعنى يمكن الكلام على حضور المسيح في سرّ الإفخارستيا حضورًا حقيقيًّا "أكثر سموًّا وأشدّ كثافة" من حضوره في سائر الأسرار.
وهذا الحضور الحقيقي هو في الوقت نفسه حضور رمزي سرّي، أي من خلال سرّ، أو علامة خارجية منظورة. وتلك العلامة المنظورة تختلف أيضاً من سرّ الى آخر، حاملة في ثناياها المعاني المختلفة التي تتضمنّها الأسرار.
5- الوسم السرّي: أوّلية مبادرة الله وثبات اختياره
هناك ثلاثة أسرار، المعمودية والميرون والكهنوت، لا تعطى للمؤمن إلاّ مرّة واحدة في حياته. وهذا تقليد جرت عليه الكنيسة منذ نشأتها. لا شك أنّ هناك نقاشًا قد حصل في القرن الثالث حول إعادة تعميد المهتدين من البدع إلى الكنيسة الكاثوليكية. ولكنّ هذا النقاش لم يدم طويلاً، وأعلنت الكنيسة أنّ من اعتمد في إحدى البدع معمودية صحيحة، أي "باسم الآب والابن والروح القدس" في كنيسة تؤمن إيمَانًا صحيحاً بالثالوث الأقدس، لا تعاد معموديته متى عاد الى حضن الكنيسة الجامعة.
هذا التقليد القديم عبّر عنه اللاهوت المسيحي بقوله إنّ هذه الأسرار الثلاثة تمنح من يقبلها وسمًا لا يمحى. فما هو قوام هذا الوسم؟
لقد كان الوسم في المجتمعات القديمة علامة تعارف تشير إلى دخول شخص جماعة معيّنة. فالجندي كان يوسَم بالنار بالأحرف الأولى من الأمم الإمبراطور الذي كان في خدمته، وهذه العلامة كانت تميّزه عن غيره من الناس وتكرّسه لخدمة الإمبراطور وخدمة الدولة.
إنّ الوسم الذي تمنحه الأسرار الثلاثة هو علامة اختيار للمسيح بالنسبة الى الشخص الذي يقبل هذه الأسرار اختيارًا لا عودة عنه. فالله هو الذي يبادر البشر بالمحبة والنعمة ويقطع معهم عهدًا أبديًا. ولو ابتعدوا عنه فإنّه يبقى أمينًا للعهد الذي قطعه معهم.
هكذا بالمعمودية والميرون يتبنّى الله الإنسان ويشركه في موت المسيح وقيامته ويمنحه روحه القدّوس. وإن خطى الإنسان وجحد إيمَانه وغادر البيت الأبوي كما فعل الابن الشاطر، فالله يظلّ يعتبره ابنًا له، ولا حاجة لإعادة معموديته لدى عودته.
وكذلك في سرّ الكهنوت يختار الله شخصاً ويشركه في كهنوت المسيح. ويظلّ هذا الاختيار ثابتًا من تقلّب الكاهن في الخطيئة وأهمل واجبات خدمته الكهنوتية. وحتى إعادة الكاهن الى الحالة العلمانية فإنّها، في تقليد الكنيسة، لا تزيل عن الكاهن الوسم الكهنوتي، بل توقفه عن ممارسة المهامّ المتعلّقة بسر الخدمة الكهنوتية. وإذا ما عاد الى الحياة الكهنوتيّة، فلا تمنح له من جديد السيامة الكهنوتية.

________ التوقيع ________
تابع كتاباتى ايضا على :

* مدونة ايماننا الاقدس
* موقع دليل الايمان
* فيسبوك
avatar
Admin
الادارة العامة
الادارة العامة

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 07/02/2014

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://miras.akbarmontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى